ابن ميثم البحراني

72

شرح نهج البلاغة

بالتشبيه والاستعارة ويكون تلك الألفاظ المستعارة خاصّة غير مشتركة ولا مغلطة فقد يورد اللفظ موهما للشيء وضدّه كقول المنجم : إذا دخلت سنة كذا يتجدّ للإسلام أمر عظيم فذلك محتمل للخير والشرّ موهم لهما ، وفائدة التشبيه والاستعارة هاهنا الاستعانة بالتخييل الحاصل منه على تروبق المعنى فإنّه يحصل له رونقا لا يحصل بدونه والألفاظ المستعارة والمخيّلة وإن كانت أصلا في الشعر فقد يستعملها الخطيب بالعرض فيكون في الخطابة كالأبازير ، السادس أن يراعى لفظ الواحد والتّثنية والجمع وما يخصّها من التصاريف وكذلك التذكير والتأنيث ذي العلامة وغيره رفعا للغلط ، السابع قد يزيّن اللفظ بالايجاز إذا اعتمد على فهم السامع من تعقّب الإقناع فرّد الحدود والرسوم هناك إلى اللفظ المفرد ، وقد يزيّن بالبسط فينعكس ذلك ، وقد يبدّل اللفظ المفرد العلم لشناعته كما يقال عورة المرء ، ووطيها ، ودمها عوض أسمائها الصريحة وأكثر ما يستعمل أمثال هذه في الإفراطات في المدائح فيكره التصريح بالأسماء الصريحة احتشاما وتنزيها للمجالس عن ذكرها وكذلك يستعمل في الاعتذار كثيرا وحيث يراد التهويل للتخويف في المشوريّات ، الثامن أن يزيّن بالمفاصل أي يكون ذا مصاريع وتسجيع ووزن ما لا الوزن الحقيقي وذلك كقول عليّ عليه السّلام : أمّا بعد فإنّ الدّنيا قد أدبرت وأذنت بوداع وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ، وقد عرفت المتوازن فإنّ ذلك أقرب إلى ثبات اللفظ في الخيال ثم تلك المفاصل ينبغي أن لا تطول لئلَّا ينسي الأوّل ولا تقصر جدا فلا تحفل به النفس فيجعل انقطاعه عن استثبات النفس له ثمّ المفاصل قد تكون أقساما ويسمّى المقسم كما مرّ في المثال في صفة الملائكة ، وقد يكون تلك الأقسام متقابلة كقوله عليه السّلام : أمّا الآمرة البرّة فيعمل فيها النفي وأمّا الآمرة الفاجرة فيمتنع فيها الشقي ، ولكلّ واحدة من الخطابة المسموعة والمكتوبة أسلوب خاصّ وكذلك أصنافهما ، وأمّا الثاني وهو الترتيب واعلم أنّ للأقاويل الخطابيّة صدرا ووسطا وخاتمة ، فالصدر كالرسم الَّذي ينقش عليه ويعرف السامع منه الغرض إجمالا ، وأمّا الوسط فقد يكون اقتصاما لأمر واقع ليحكم بأنّه حسن أو قبيح كما في المنافرة وعدل أو جور كما في المشاجرة وقد يقدّم على الصدر اقتصاص لأمور تستلزم الشكر والمدح من القائل وتهيّىء السامع لذلك كما جرت العادة بتقديم اقتصاص